Home الرئيسية Archive الأرشيف About Us من نحن Contact Us اتصلوا بنا
Mar. 02, 2017
ماذا لو...؟؟؟
  جلال حنونا

 

تارة يرى الكثير منا ويلمس الحيف والظلم والقهر الذي يقع على شرائح إنسانية، ويحاول إيقاف موجاته، والحد منها، وطورآ يتورط اخرون ويقترفون افضع الجرائم التي يندى لها الجبين في زمن يقوده العلم ويشع ببديهيات فحصت تحت المجهر، قطعت فيه البشرية أشواطا من الريادة والتنوير فيما كان غلو التطرف الديني، والانحياز المطلق له، مرجلآ لصهر الناس في پوتقة واحدة، اعتقد العالم انها خمدت منذ قرون، ولكن تلك النار التي خفف سعيرها الزمن، وزيادة التقصي والمعرفة، باتت تلفحنا بقوة حينما تغذيها انابيب النفط، والاموال المتدفقة عنها لتغذي جوانب العنف والتفرقة والتعصب الديني الذي لا يقبل المهادنة او التسليم بما كشفت عنه التجربة الانسانية، وقادة الفكر، وجوهر العقائد التي من المفروض ان تشذب الجوانب الوحشية للفرد، بل باتت تتنكر لها وتحاول وبقوة، إلغاء دورها وبريقها الذي أغنى وطور العقل، وهذّب غرائز وأسلوب عيش عصور ما قبل التاريخ...

وبعد كل هذه المسيرة المضنية، والتجارب المريرة، والحروب الطاحنة، لا زال طريق الآلام والعذاب يُحد من خيارات الشعوب التي تحولت الى حقول تجارب لإيديولوجيات دينية مخيفة، بعد ان عانت من مثيلاتها السياسة ذات النظرة الواحدة التي تعادي كلما يخالفها من فكر مهما كان إبداعيا وواقعيا... وَمِمَّا زاد تأثيرها، هو استخدام تكنولوجيا المعلومات لتلويث العقول، حيث يتقبلها الذين لا يمتلكون الثقافة (وهم الأكثرية) والتعتيم على كلما يتقاطع مع توجهاتها المخيفة...

منذ سنوات وليس عقود، بدأنا نصحو يوميا على موجات من الأفكار الغريبة المشتقة من أفكار سلفية تجدد موروثات سيادة العنف، وفرضه على كل فعاليات الحياة وبأسلوب ظلامي تظليلي، فبات العالم يواجه عقيدة تبذل قصارى جهدها وإمكانياتها وآلياتها الحديثة، لتكون السائدة، كافحت فيه الامم التي كانت ضحية عبوديتها للتخلص من ترسباتها ووحشيتها في الماضي، ومن ثم البحث عن واقع أفضل ،لانهم لم يكونوا في نظرها الا مجرد مخلوقات لا ترتقي لأكثر من عبيد وجواري، وفي مصارحات وقحة تتجاوز كل الحدود...

القوانين الفيزيائية تنطبق احيانا على سلوكيات وتصرفات الانسان والمجتمعات، فعندما تتعالى صيحات ودعوات للقتل والاستباحة والسبي، ليس في الدول التي هي الحاضنة والداعمة لهذا الفكر، بل في الدول التي استقر فيها المهاجر الذي لم تكن له قيمة ولا رأي في وطنه ، ليتحول هو الى داعية وبحماس الى ذلك المنهج القديم المرفوض... ماذا يتوقع من ذلك المجتمع الجديد الذي احتضنه، والذي لم يكف عن المجاهرة والكشف عن نواياه في الذبح والقتل والتسلط والتعالي على اولئك الذين مسحوا دموعه، وطهروا جروحه، وقدموا له الغذاء والدواء والمأوى دون مقابل، وبدون شروط وقيود، وهو الذي رفضت الاعتراف بمعاناته الانظمة الثيوقراطية التي زرعت فيه هذه العدوانية والعمى المطلق، أم التعامل معهم (بصيغة افتراضية) تقترب الى فعل رفاقهم في الفكر عندما اجبروا سكان نينوى والبلدات والقرى التي استولوا عليها، بتغيير معتقداتهم الدينية خلال اربعة وعشرون ساعة، وإلا فسيكون للسيف كلمته الاخيرة...

ماذا، وبعد كل هذه الدعوات بتغيير اُسلوب الحياة ونظام الدول، بالقوة، وفرض شريعتهم الغريبة والهجينة التي لن ترضخ لها أبدا، فمن هذه الدعوات المتصاعدة التي لم تشجبها ولم تدينها بوضوح، المؤسسات المتباكية على الاحتياطات التي تتخذها الدول التي تحاول حماية أمنها ومواطنيها، بل تجد من يبررها ويربطها بالتمييز والطبقية والعنصرية، ماذا لو، (وكرد اعتبار والحفاظ على تراث وثقافات شعوب بنت أوطانها وارتقت بها بالعلم والعمل والتضحيات) ان ساد قانون الفعل ورد الفعل، ففي تصور لا أرادي انعكاسي يتبادر الى الاذهان، ماذا لو ان الموجات العابرة الى يابسة البر الاخر، تفرض عليها شروط مسبقة ، قبل ان تطأ اقدامهم اليابسة، او قبل ان تتبادر سفن الإنقاذ الى انتشالهم، علما انه لا يمكن المقارنة بين اقوام أصيلة استبيحت مدنها وقراها التي كانت موطنهم منذ الاف السنين، وأولئك الذين اختاروا الرحيل بعد ان أجبرتهم انظمتهم والظروف القاهرة على ذلك ، طالبين اللجوء والحماية في بيئة لا مجال للمقارنة في نظرتها وتعاملها مع القضايا الانسانية...

ماذا لو ان العالم المتقدم إصابته عدوى التطرف (وبعض علامتها باتت تطفو الان على السطح) وتراجعت أوليات حقوق الانسان هناك، (لان هوية بعض القادمين المندسين ضمن موجات المهاجرين، تنذر بما لا يخدم ألامان والاطمئنان، وتستنزف القدرات والموارد) وقرروا التعامل بالمثل ليس بالانتقام والقتل كما خبروه وأصبحوا جزءا من آلياته في حرب الطوائف، بل بفرض الاحتياطات اللازمة التي قد تحد من حريتهم، وحرمانهم الكثير من الامتيازات التي كانت تقدم لهما برحابة صدر، وبدون تدقيق خلفياتهم واثنياتهم وانتماءاتهم الدينية... فشعوب العالم الحر مهما انعشتهم رياح الحرية والخلفية المنبثقة من التسامح، الا انهم اشجع من ان تنتزع منهم القيم والاختيارات التي كلفتهم طريق كفاح فكري طويل...

أسئلة كبيرة وملحة ترافق كل نشاط لا يحترم قرارات وقوانين ودساتير بلدان لا يمكنها الا التعلق بمناخات الحرية والديمقراطية الحقيقية، واحترام التنوع، ولا تقودها العواطف، بل العقول المتنورة بكلما يرفع من شان الانسان ويصون حقوقه وخصوصياته...

علامات استفهام كبيرة يقف العالم عندها كل لحظه، ماذا يمكن ان يكون عليه الحال، وماذا لو نجحت جهود المشايخ واموال النفط والغاز فرض عقيدتها وتمرير مشاريعها في الغزو الحديث، وبنسخة المهاجرين، وماذاهو شكل المستقبل الذي لن يكون باحسن الأحوال سوى ساحة نحر كبيرة، ولباس اسود موحد، وصمت رهيب لكل الأحاسيس والمشاعر الانسانية الراقية...

ماذا وماذا وماذا خاصة حينما يققز الجواب قبل البدء بالسؤال؟؟؟ وحينما يتحول الواقع الى علامات استفهام كبيرة...

 

 

 

 

المقالة تعبر عن رأي كاتبها فقط.. وليس بالضرورة أن تعبر عن رأي الموقع