Home الرئيسية Archive الأرشيف About Us من نحن Contact Us اتصلوا بنا
Mar. 09, 2017
أعجوبة قربان الفسح التي لا نهاية لها
  ترجمة ب. حسيب شحادة
جامعة هلسنكي

في ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة، التي كتبها أبو رامي، عبد حنونة بن إبراهيم الستري الدنفي (١٩٠٣-١٩٩٥) بالعبرية ونُشرت في الدورية السامرية أ. ب.- أخبار السامرة، عدد١٢١٣- ١٢١٤، ٢٠ آذار ٢٠١٦، ص. ٢٢- ٢٤. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها ــ إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين في الدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية ما زالت حيّة ترزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة الشقيقين، بنياميم ويفت، نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢- ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

”بعد قليل، بمشيئة الله، سأكون في سنوات التسعين من عمري. لا أقوى على الخروج وزيارة أبناء جلدتي، أقضي معظم وقتي في البيت في نسخ كراريس الصلاة، من أجل أبنائي وأحفادي. ككلّ سامري، جبل جريزيم هو كلّ أيام حياتي. ولذلك، أنا وأهل بيتي لا نفوّت أيّة فرصة بغية زيارته مراتٍ كثيرة سنويًا، وليس في المناسبات والأعياد فقط. في فصلَي الربيع والصيف، نقضي هناك نهاياتِ الأسبوع، نسافر يوم الجمعة ونمكث في بيتنا الفسيح هناك حتى مساء السبت، وأحيانًا حتّى صباح يوم الأحد.

إنّي أعزو طول عمري، في الأساس، للطقس الرائع على جبل جريزيم، وللسكينة التي يُضفيها الجبل على ساكنيه. عند حلول أيّام الفسح، أبكّر في الصعود إلى الجبل. يحلو لي الجلوس في بيتي في قرية لوزا، أو التمتّع بأشعة غروب الشمس، حين أكون جالسًا في الشرفة. حقًّا، إن جبل جريزيم بمثابة كلّ أيّام حياتنا. في هذه الساعات الحلوة، أجلس وأتذكّر ما مرّ عليّ، وعلى أبناء طائفتي في الماضي البعيد والقريب على حدّ سواء. أجد أن الأعاجيب، لا تحدث لآبائنا فقط، إنّها تحدث لنا أيضًا. إنّنا وببساطة لا ننتبه عند حدوث الأعجوبة، لا بدّ من مرور وقت كافٍ، سنوات كثيرة، كي تتمكّن ذاكرتنا من أن تقلّب وتقلّب الحادثة التي جرت، ومن ثمّ إضفاء صبغة عجائبية عليها. أصعب الأيّام التي مرّت علينا، تصبح أحلى أكثر فأكثر، كلّما ابتعدنا عنها، ويحلو لنا تذكرّها حتّى. حدث لنا حادث عندما كنّا بالكاد أحياء، ولم يكن بوسعنا تركيز فكرنا فيه. إنّنا نذكره رغم مرور السنين الكثيرة، ونتساءل كيف لم نلاحظ روعة ذلك الحادث، ومدى صعوبة تفسير حدوثه.

إنّنا نكثر من الشكوى، الواحد إزاء الآخر، حول قلّة الاهتمام، التجاهل، العزلة، عدم الفهم، إلا أنّنا غالبًا ما ننسى أنّ السباق الذاتي لدى كل واحد، من أجل حياته، وحياة أهل بيته، يمنعه من إيجاد وقت الفراغ للآخرين في كل حين. ينبغي أن نحدّد علاقاتِنا مع الآخر وفق موقفهم وقت الاختبار، وليس على ضوء التصرفات اليومية. هناك حالات كثيرة من الصعود والهبوط في أوضاعنا الاقتصادية، ولا بدّ لكلّ واحد منّا من التعامل المستمرّ مع هذه المستجدّات. ولكن، قد يُنسى كل هذا، ونرى أنّنا جميعًا متكاتفون من أجل غاية سامية، تعيد إيماننا بالإنسان وبمناعة طائفتنا الروحية، أو إن شئتم، شعبنا.

خذوا، على سبيل المثال، عيد الفسح الأخير. تنظيم المراسم كان على ما يرام، عائلة الكهنة تعاونت في الرقابة على كافّة مراحل القربان. أشرف كاهنان على ثلاثة أفران قديمة وثلاثة جديدة، إلقاء الحطب وإدخال الخراف وإخراجها. سمعت وأنا في بيتي صخب فرحة المحتفلين؛ كانت الخراف طرية وزاكية، والحطب جافّا. كانت الأفران الحديثة عميقة بما فيه الكفاية، لا تدافع ولا صراخ، الكل راضون.

حان وقت إخراج الخراف من الأفران. أحسست وأنا في بيتي بعيدًا عن مكان القربان، أنّ شيئًا ما قد حصل. صخب فرحة جزء من المضحّين اختلط بصخب صياح مضحّين آخرين، صياح خيبة الأمل. انتظرت قدوم أبنائي إلى البيت ومعهم القربان في الوعاء. وأخيرًا، بعد طول انتظار وصلوا. خشيت أنّنا لن نستطيع القيام بفريضة ”وتأكلونه بأوفاز/ بوفاز“ [سفر الخروج ١٢: ١١؛ أنظر الترجمة العربية لتوراة السامريين، حقّقها وقدّم لها حسيب شحادة. المجلّد الأوّل: سفر التكوين وسفر الخروج. القدس: الأكاديمية الوطنية الإسرائيلية للعلوم والآداب، ١٩٨٩، ج. ١، ٣١٢-٣١٣؛ وفاز تعني بسرعة، على عجَل]. وقبل أن يدخلوا البيت رأيتهم مكسوري الخاطر.

حمل ابني الأصغر وعاء القربان على كتفه، ورافقه شقيقه الأكبر وأبناء عمّه. كانوا حزانى، وضع الوعاء على المصطبة وأجهش ابني الأكبر ببكاء يقطّع القلب. لا ذبيحة فسح في الوعاء، بل كتلة محروقة سوداء. أسرعت في مواساتهم بكلمات لطيفة، إذ أن هذا النهار وهذه الليلة هما أكثر أيّام السنة فرحًا وبهجة. الوقت ليس وقت بكاء ونحيب، إلا أنّهم بقوا على حالهم، سالت الدموع من عيونهم كلّهم. طَوالَ السنة كانوا ينتظرون هذه اللحظة العظيمة وها قربانهم لم يُقبل، حُرق كلّه بنار الفرن الجديد، الذي لقّم أكثر من اللازم.

بينما كنّا في هذه الحال من البكاء وخيبة الأمل، وإذا بصوت صخب يُسمع من الخارج. أيادٍ كثيرة طرقت على الباب. أسرعت زوجتي لفتح الباب. لا أقدر الآن تذكّر لا عدد القادمين، ولا تحديد هويّاتهم. كلّ واحد كان يحمل بيده جاطًا مليئًا بلحم القربان، وأتوا مسرعين للعمل بفريضة ”فان يقل البيت عن قدر الرأس فليأخذ هو وساكنه القريب الى بيته“ [سفر الخروج ١٢:٤؛ أنظر حسيب شحادة المذكور آنفًا، ص. ٣١٢-٣١٣]. في الحقيقة هذا تفسير آخر للآية ولكن الوضع أوجب التفسير الجديد. أثبتت الطائفة لنا جميعًا، العابسين والمبتسمين، ثانية أنّها قادرة على اجتياز الاختبار. إن سألتني، يبدو لي أنّنا في قربان الفسح الأخير، أكلنا لحمًا أكثر من أي فسح من قبله.

هذه هي الحال، عند توفّر اللحم، ولكن ماذا بشأن الأيّام التي لا لحم فيها؟ ها هي قصّة من أيّام شبابي، قاسية جدّا كانت فترة الحرب العالمية الأولى. أمراض وأوبئة تفشّت بين السكّان، عرب ويهود وسامريين. كما أنّ الجيش التركي لم يقلّ جوعًا عنّا. الخبز والماء كانا سلعة نادرة الوجود. تضاءل عدد قطعان الضأن الكبيرة، إمّا جوعا وإمّا ذبحًا لعدم توفّر غِذاء آخر.

كعادتنا، صعدنا، كل أبناء الطائفة، أقلّ من مائة وخمسين شخصًا بقليل، إلى جبل جريزيم ونصبنا خيامنا هناك. كانت التحضيرات لعيد الفسح جارية على قدم وساق، إلا أنّ القلق كان ينهش قلوبنا. أين سنجد اللحم لعيد الفسح؟ ما عدد الخراف الذي كنّا بحاجة إليه؟ ستّة فقط؛ اثنان لعائلة الكهنة، اثنان لعائلة الدنفي، واحد لعائلة مفرج وواحد لبيت صدقة. ستّة خراف، لا غير. لا أحد حتّى الكاهن الأكبر، إسحق بن عمران، كان يعرف من أين يمكن الحصول على ستّة خراف لقربان الفسح.

الكاهن الأصيل، توفيق (متصليح) بن خضر (فنحاس)، المكنّى بأبي واصف، دأب على الخروج يوميًّا إلى القرى، وإلى خيام البدو في ضواحي الجبل، والرجوع إلى بيته صفر اليدين. عمّ قلق كبير حول إمكانية الاحتفال بعيد الفسح، بسبب عدم توفّر الخراف. كلّما مرّ الوقت، واقترب موعد يوم القربان، كلّما تضاعف انقباض الصدر. أحسسنا مدى صعوبة أيّام السخط (الفانوتا) التي تمرّ بنا.

تكرّر الوضع كلّ يوم. عاد أبو واصف إلى خيمة السيوان الكبيرة الخاصّة به - هدية المحسن الأمريكي إ. ك. وورن (E. K.. Warren, 1847 -1919)، حزينًا مكتئبا. كنّا نجتمع كلّ يوم صباحًا ومساءً، في الكنيس المفتوح، حول المذبح لصلوات أربعة عشر يوم الحراسة/ המשמרת. كانت تلك صلاة عديمة الفائدة. موضوع واحد فقط، أشغل بال شيوخ الطائفة وكهنتها: ماذا سيكون في يوم القربان، يوم عيد؟ لن يكون لا عيدا ولا قربانا. ها قد حلّ العاشر من الشهر ولا خراف لتأدية الفريضة ”في عاشر الشهر هذا يأخذوا لهم كل امرىء رأسًا...“ [سفر الخروج ١٢: ٣؛ أنظر حسيب شحادة المذكور أعلاه، ص. ٣١٢-٣١٣]. ببساطة، لا خراف! حتّى البدو تجوّلوا بعيدًا عن المنطقة، عن البلاد التي أكلت ساكنيها في أيام الحرب العالمية الأولى. همّ آخر كان ينهش قلوبنا، أهل قرية قليل المجاورة، كانوا يجبون منّا بالقوّة خروفًا واحدًا من الخراف المعدّة للأضحية كرسوم حراسة، والآن سيُسيئون إلينا بسبب عدم إعطائهم الخروف.

في ليلة الرابع من الشهر الأوّل، ساءت حالة الطقس. حتّى السماء غاضبة علينا، ظنّ الكثيرون. ضباب كثيف خيّم على الجبل، هرعنا والتحفنا في خيامنا. استيقظنا في ساعة مبكّرة للصلاة الأخيرة في صباح يوم القربان. هدأت الريح، إلا أنّ الضباب كان سميكًا لدرجة أنّنا بصعوبة استطعنا اتّخاذ طريقنا إلى مكان الصلاة.

 

 

 

 

المقالة تعبر عن رأي كاتبها فقط.. وليس بالضرورة أن تعبر عن رأي الموقع