Home الرئيسية Archive الأرشيف About Us من نحن Contact Us اتصلوا بنا
Apr. 14, 2017
الجمعة العظيمة، حفرت في الذاكرة الإنسانية حزناً وعبر ودروس لا تنسى...
  جلال حنونا

 

توقف الزمن فجر ذلك اليوم، وتلبّد جو أورشليم بسحابة حزن قاتمة حينما بث الشر سمومه، وإستعاد الحقد سيطرته، وزحف الشك الى النفوس، بعد أن مضى عهدا غرس فيه المعلم ما لم تعهده البشرية من قبل، فنكران الذات والتضحية والاصطفاف مع الفضيلة، هو ما تعلمه أبناء هذه المدينة، مثل باقي القرى والمدن الأخرى، من تعاليم راقية تنسجم مع جوهر الوجود، حيث الثورة الجديدة جعلت للحياة طعما آخر، وللحرية والعدالة والمساوات أركاناً وطريقاً للحياة القادمة...

تراجع المد الجميل بعد أن قرر روؤساء الهيكل الأنتقام لمقاماتهم المهزوزة، وبدأ الفصل القادم بالإيقاع بهذا الثائر الذي إلتفت حوله الجموع...

الساعة تقترب، والأحداث تتسارع، والأجواء ملبدة، ودقائق وساعات طويلة قبل صعود المخلص الخشبة، ويبدأ التعثر رغم الإضاءات السابقة وعلى دروبها المعتمة، محاولة نسف مدرسة الحياة والحق والطمأنينة المشعة من أخلاقيات المبادئ التي زرعها المخلص بقوة، حينما شق خطواته بين الجماهير محرراً الأنفس من الضياع، ومبشراً بأيام قادمة لا يترنح الإنسان أمام سطوة المال، محباً للقناعة، ولا يجنح لحب القوة، كما لا يخضع لها أيضاً...

إستقبله الناس بعفوية وحب غامر، شق طريقه الى أورشليم حيث فهمت الجماهير الرسالة، ففرشوا له قلوبهم قبل ثيابهم، وتبادلوا معه الرسائل عبر رمزية أوراق الزيتون وأفنان النخيل...

في يوم إستجمعت قوى الشر والقسوة المندحرة أمام ملك السلام، فاستخدمت أوراقها القديمة، أوراق القوة والبطش والغدر، للتخلص من هذا الثائر الذي طرق أبواب مدينتهم بقوة، مالكاً القلوب ومؤثراً بالجموع، ليوقضها ويكشف لهم أن الحياة أسمى من ان تقدر بثمن، وأغلى من ان تعيش مرتعدة خانعة خاضعة للطواغيت... بدى الكون مُلِبّدٌ وكئيب، في جمعة حزينة، كل لحظة فيها ينذر بعاصفة تحاول إقتلاع الزرع الذي غرسه المعلم في تلاميذه ليتابعوا خطاه ومن ثم نشر رسالته في أربع زوايا المعمورة بثبات وإصرار وشجاعة لا تقبل التردد او المساومة... منهم من أنكره، ومن سال لعابه لثلاثين من الفضة، ومواكب الذين بالأمس فرشوا له الطرقات بأغصان الزيتون وسعف النخيل، والذين شفى أمراضهم وشهدوا له حينما أقام الميت وشفى الأبرص... ها هم يصرخون، ويتساءلون ويشككون، إذا كنت أبن الله لماذا لا تفعل شيئاً... فكانت هذه أقسى من السياط الهاوية على جسده، وأثقل من الصليب الذي ترنح تحت ثقله ثلاث مرات، متألماً، مثخناً بالجروح مضرجاً بالدماء...

ولكن كل سوط على جسد الفادي الأعظم، حفر في ذاكرة الزمن عِبراً ودروساً لا تنسى، سلكوا آثار خطواته بعد أن هزت الأحداث المتسارعة كياناتهم، فالطريق الى المجد السماوي ليس سهلاً ومفروشاً بالرياحين... وفي وقفة مع الذات، تعلموا أن مقاومة الأشرار لن يكون بالتخلي عن المبادئ ولا التفريط بها حتى الرمق الأخير، تماماً مثل مسلسل ذلك اليوم الدامي الذي بدأه پيلاطس البنطي بغسل يديه نائياً بنفسه عن ذلك الأثم، ومن ثم الرغبة الجامحة عند سدنة المال للقضاء على الثائر الذي أفسد عليهم أيامهم ورفع الغطاء عن حقيقتهم أمام الشعب، ولكن دهاءهم وخبثهم، حركت عبثية الأفراد في مثل هذه الأحداث التي إنقلبت الى غوغاء لا تعرف ماذا يجري والى أين هي ذاهبة...

هي بصمة عار في تاريخ الإنسانية في أن تحكم الرذيلة الفضيلة، وتتحكم الجريمة بالبراءة، ويساق أبن الإنسان الى ذلك المصير الذي عكس سوداوية ووحشية وعبثية بني البشر الذين أدركوا بعد فوات الأوان، أن هناك من يغتال معاني الوجود التي أنار ضياؤها من حمل صليب الفداء...

في هذا اليوم الموشح بالسواد، نسجد لك ونتذكر آلامك وأنت حزين على حماقة الإنسان مثل آلام الصلب المبرحة، وبفداحة آلام ألعذراء، تشعر وبكل جوارحها بلسعة السياط الهابطة بدون رحمة على جسدك المنهك، وبثقل ذلك الصليب، ومن ثم صوت المطرقة الهابط فوق المسامير، وقسوة ورهبة اللحظات الاخيرة... ننظر الى إكليل الشوك الدامي فوق رأسك، فنتذكر أن التيجان الحقيقية لا يصنعها إلا الأبطال، مادتها ومعدنها التحمل والصبر ومقاومة الذل والعبودية... ونتذكر أن كل الشهداء الذين أختاروا طريق الحرية والكرامة تجرعوا كؤوس الزؤام ولم يجرعوا كأس المذلة والخضوع والتخاذل...

مجداً لرب المجد وملك الملوك الذي تاجه هالة العفة والتواضع والمحبة، وصولجانه دفة سفينة تقود الى مرفأ الخلاص وشواطئ السلام والطمأنينة... وليس لنا نحن البشر إلا أن نقتفي ذلك الطريق الى قيامة جديدة تليق بالحياة بإطارها الجميل التي أرادها لنا المخلص الأعظم، حياتاً فريدة عجز الفلاسفة والمفكرين اللحاق بها، تزرع الرحمة في النفوس، تنبذ العنف الأستغلال والتسلط، جوهرها العطاء ومشاركة الرغيف والإستغناء عن الثوب الآخر...

ويقينا أن درب الآلام الذي عصف بكل الأعراف القديمة، جدير بأن يكون الدرس الذي تنهل وتتعلم منه الإنسانية جمعاء...

 

 

 

 

المقالة تعبر عن رأي كاتبها فقط.. وليس بالضرورة أن تعبر عن رأي الموقع