Home الرئيسية Archive الأرشيف About Us من نحن Contact Us اتصلوا بنا
Apr. 27, 2018
أمنية الحاضر والمستقبل والأزمنة القديمة
  جلال حنونا

 

كثيراً ما تتقدم أولويات في حياتنا على احلام النجاح والسعادة، ولا تكتمل الا عندما يشعر الانسان بارتباطه الفكري والعقائدي، وبوجوده بين من يرصدون الماضي ليكون لهم امتدادٌ الايام القادمة وهي أعز ما خلفه لهم، يحمل نبض الاحداث وتواريخها ، وينقل لهم دقائقها وتفاصيلها ، لتكون ذكراها نبراس وطريق حياة، نعطيها القدر الأكبر من الاجلال والاحترام...

منذ قرون، تلاحقنا الاهوال والمصائب، وبنفس الوتيرة تتقطع أوصالنا وتتناثر وتتباعد كلما زادت الاستقطابات لغايات ابعد من ان تتوصل الى الحلول للخلافات المتأصلة والمزمنة، ولا زال الجدل العقائدي قائم حول موعد الصلب والقيامة، ومثله عيد الميلاد عند بعض الطوائف التي تستقبله بتاريخ مغاير... ولو أجرينا استفتاءاً لما يرغب به المؤمنون، لوجدناهم متذمرين من هذه الحالة، وامنيتهم ان تتوحد الأعياد والمناسبات، في كل أقطار المعمورةٌ ، لأنهم يشعرون بالإحراج ، خاصة في عيد القيامة، ففي الوقت الذي تجري مراسم الحزن والتذكير بآلام الصلب عند طائفةً، تكون اخرى قد احتفلت بيوم القيامة في موعد سابق...

الخوض في الماضي يقودنا الى واقعنا الحالي الذي يحكي قصص الصراعات المريرة، والتفكك والتناحر تلقي بظلالها على الحاضر، باتت بلداننا تلفظنا خارجها، لأننا الحلقة الأضعف فيها، ولاننا، ومنذ قرون اقوياء على اهلنا وضعفاء امام الذين جعلونا عبيداً في ديارنا ،وما نسمعه من ظلم وإجحاف بحق الذين اقتلعوا من مدنهم وقراهم، ووجدوا أنفسهم في ديار الجوار التي لا تقيم لهم وزناً، هي ماساة لا تقل عن التشتت والتنافر العقائدي المزمن...

سنوات وسنوات تمر عليهم، فمن كان طفلا اصبح شاباً لا يمتلك اية مؤهلات علمية او مهنية، ومن كان او كانت شابة، وبعد عقد من فقدان الامل في دوائر الهجرة والامم المتحدة في تلك البلدان، باتوا يقتربون من فقدان عنفوان شبابهم وهم يَرَوْن النفق المظلم الذي لا نور في نهايته... انها مأساة لا اعتقد انها ستلقى الحل القريب، فهي بحاجة الى تظافر جهود مؤسساتنا الدينية، وكافة أحزابنا العاملة بمختلف انتماءاتها لهذا الغرض ، بدل السباق للوصول الى كرسي البرلمان في عراق صُنّف في المرتبة السابعة لدرجة اضطهاده للمسيحيين الان، اي بعد اليمن المصنف في الدرجة الثامنة...

التقارير تشير الى ان هناك اكثر من خمسة آلاف مهاجر عراقي في تركيا فقدوا الامل في اعادة توطينهم، يلاقون معاملة تعيسة جدا، تتفاوت بين محاربتهم كمسيحيين، والاعتداء بالضرب، والاختطاف (في بلد يغلي بالأصولية الدينية والتطرف) بينما يتوزع اكثر من أربعون الف اخرون بين لبنان واليونان وسوريا وغيرها من الدول التي لا يجدون اية بارقة امل للوصول الى بلد بعد ان قطعت جذورهم التي تمتد الى آلاف السنين...

ان الغالبية من ابناء شعبنا المهجرين، لم يحالفه الحظ في العثور على موطئ قدم جديدة، في الوقت الذي تدفقت في السنوات الماضية الملايين من الملل والديانات الاخرى مُرَحباً بها في أوروبا واميركا الشمالية، وأستراليا، وبات واضحاً لان تعيد القيادة الدينية، دراسة هذه الماساة بجدية اكثر، تعيد الثقة والحلم الانساني لأولئك المعذبين، وهي حتما تتمتع بإمكانات لا يمكن مقارنتها بمجهودات فردية من قبل مؤمنين بقضايا الانسان، ومثال مشرِّف لذلك هو الاب اللبناني مجدي علّاوي، المنحدر من أصول إسلامية... هذا الانسان، وبجهوده الاستثنائية، وبدون أطيان واموال مزدحمة في الخزائن، (وبتحدٍ لعشيرته التي حاولت تصفيته )استطاع ان يشق طريقه بين المحتاجين والفقراء، المدمنين واليائسين من الحياة، من بين كل الملل والطوائف، تمكن من فتح مراكز إيواء للمشردين، ومطعما للجائعين، ومصحة لمعالجة المدمنين على المخدرات، يقصدونه من كل مكان ، حتى من الولايات المتحدة... اليست هذه بركات الرب لهذا العطاء والسخاء النابع من إرادة الخير يخلق من العدم بلسما ودواء، وارغفة خبز وسمك وفير مثلما فعل الفادي على ضفاف طبرية؟ ومن انسان لا يملك غير صليبه الخشبي الذي يذَكّرُهُ بالاستعداد الدائم للتضحية، وثوب الرهبان الأسود الخشن، وابتسامة الثقة والمحبة اللامحدودة، وتكريس حقيقي لحياة تنشد أسمى الأهداف، وأنبلها؟

لقد مرت دروس قاسية، وأزمنة إبادة، وفصول دامية، من الضروري ان تكون عبرة لنا لقراءة مفارقات المستقبل، ومن ثم اعادة الامل على تقريب وجهات النظر، ومراجعة تقييم شاملة من اجل ان تتوحد الطوائف، لعلّها اهون بكثير مما جرى لها من مذابح وهي اما بقت متفرجة مثلما حصل عند احتلال القسطنطينية التي لا تزال اكبر نكبة وانتكاسة، او انها لم يعد لها غير خيار التنازل المتوارث عن حقوقها طواعية حسب المفهوم الخاطيئ لتفسير الإيمان...

الشجاعة تبدأ من المبادرة لتصحيح المواقف وازالة الغموض، باتخاذ الخطوة التي من شانها تقليص الفجوات، والعمل لان تدق النواقيس في كل الكنائس، دقة واحدة معلنة بشائر الميلاد، وانتصار القيامة بعد تألمنا جميعا ومعاً بيوم الجمعة العظيمة... وعندما نوحد أصواتنا للدفاع عن حقوق من تبقى من اهلنا، وعمل المستحيل، ودق كل الأبواب لإعادة الحق لأولئك التائهين في بلدان الغربة، مجردون فيها من الامل، غائبون عن ضمير العالم...

الوصول الى الهدف دائماً يبدأ من الخطوة الاولى الصحيحة، وكثيرة هي الاشكالات التي تتحلحل عقدها عندما نستلهم من مسيرة الفادي دروساً ناجحة في الحياة، تذيب الجليد المتراكم، ويتعمق فهم الرسالة التي لا نرى في سطورها غير الدعوة الى المحبة والوفاق والتواضع، حفاظاً عليها، ولان ننقلها الى الأجيال بقراءة واحدة موحدة...

 

 

 

 

المقالة تعبر عن رأي كاتبها فقط.. وليس بالضرورة أن تعبر عن رأي الموقع