Home الرئيسية Archive الأرشيف About Us من نحن Contact Us اتصلوا بنا
Apr. 28, 2018
الكلدان الشعب الأصيل في العراق
  + البطريرك لويس روفائيل ساكو

 

لا بد من التذكير بأن الكلدان هم سكان بلاد ما بين النهرين (Mesopotamia) والعراق الاصليون؛ وتمتد جذورهم فيه إلى آلاف السنين. وكانت لهم امبراطورية عظيمة، عاصمتها بابل، سيطرت على بلاد الرافدين في القرن السابع قبل الميلاد وتوسعت شمالاً وغرباً. ولهم ارثٌ حضاريُّ وثقافيٌّ ودينيٌّ عظيم، ما يزال شاهداً الى يومنا هذا. نذكر على سبيل المثال: الزقورات، برج بابل، والجنائن المعلقة ومسلة حمورابي وبوابة عشتار وأسد بابل وقيثارة أور. أجدادُهم زرعوا الكروم والنخيل والزيتون والحنطة..، وتأصلوا في الأرض وتميزوا في مجالات الري والعمارة والموسيقى والشعر، وسن القوانين وعلوم الفلك.

قبل مجيء الإسلام وبعده ولاسيما في حكم الإمبراطورية العباسية؛ قدم الكلدان الى جانب المسيحيين الاخرين لبلدهم العديد من الابداعات العلمية والمعمارية والطبية والثقافية والفنية ويتمثل ذلك في الآثار المكتوبة التي حفظها التاريخ في فروع العلوم والمعارف والترجمة والتأليف ونذكر باعتزاز “بيت الحكمة” وأطباء الخلفاء واُمناء خزانتهم.

كذلك ساهم الكلدان والمسيحيون اسهاما بارزا في تحقيق النهضة العلمية والأدبية في العراق الحديث، وقدموا الكثير من خلال أديرتهم ومدارسهم وتخصصاتهم في الطب والمحامات والزراعة والهندسة والبناء والتجارة والاقتصاد والكتابة والطباعة والصحافة، وكان للعائلات (البيوتات) الكلدانية دور بارز في الحياة العامة.

في القرن الماضي تعرض الشعب الكلداني كغيره من المكونات الدينية والقومية لصراعات عنيفة وللتهجير والذبح كما حصل في سفربرلك 1915- 1918 حيث اُزيلت أربع أبرشيات كلدانية. كذلك تعرض الكلدان والمكونات الأخرى في الخمسين سنة الماضية للانتهاكات والتهجير بسبب جحيم الحروب المتكررة، وعلى نحو غير مسبوق هجمات التيارات الإسلامية المتشددة كتنظيم القاعدة وداعش، مما تسبّب في خيبة أملهم وأشعرهم بعدم الحماية، وأفقدهم الثقة بالمستقبل ودفعهم للهجرة التي اثرت على وجودهم التاريخي، وأضعفت حضورهم ودورهم. أما الذين بقوا صامدين فقد حافظوا على أصولهم العريقة وتمسكهم بوطنهم بالرغم من تقصير الحكومات المتعاقبة في إعطائهم حق قدرهم. فعلى سبيل المثال لا تذكر كُتب التاريخ أو مناهج الدراسة، سطراً واحداً عن الكلدان والمسيحيين وعمّا قدّموه لإخوتهم المسلمين وضحّوا به من اجل بلدهم.

على الرغم من أن الكنيسة لا تتدخل بشكل مباشر في السياسة الا أنها تتاثر بشدة بالتغييرات السياسية التي تزعزع أسس النسيج الاجتماعي والواقع الديموغرافي والاقتصادي، ولا تراعي حقوق المسيحيين ومساواتهم بالمواطنين الاخرين (قانون اسلمة القاصرين) لذا يتعين على الكنيسة، بوصفها تُجسد الضمير المسيحي في البلد أن تضطلع بدور استباقي في دعم اللحمة الوطنية، والدفاع عن حقوق الناس، وسيادة القانون، والاستجابة بشكل مناسب لمخاوف رعاياها وحاجاتهم المتزايدة. هذا ما فعلته خلال نكبة تهجير المسيحيين وغيرالمسيحيين من الموصل وبلدات سهل نينوى وما تقوم به حاليا من ترميمٍ لبيوتهم ليعودوا اليها.

على ضوء المتغيرات التي مر ذكرها، ورغم تراجع عدد المسيحيين وحضورهم الاجتماعي والثقافي في العراق كغيرهم من المجموعات الإثنية والمذهبية، أجدها لحظة تاريخية مُلحة، ليتحمل الكلدان خاصة والمسيحيون عامة مسؤولياتهم في العملية السياسية بأصالة، ويتحرروا من رواسب الخوف والعقلية الاتكالية، وغوغائية الهجرة. هذا الوعي الوطني والقومي والمسيحي ينبغي ان يزداد حيوية كالملح والخميرة ليأتي بنتائج جميلة.

كراعٍ وكأب أحث الجميع ولاسيما الكلدان العراقيين في الوطن والمهجرعلى المشاركة الكثيفة في الانتخابات النيابية في الثاني عشر من ايار المقبل لكي يمنحوا أصواتهم لمن هو الاصلح لهم وللوطن. فالانتخابات مسؤولية وطنية واخلاقية ومسيحية لضمان قيام دولة مدنية دستورية حديثة تؤمن بالتعددية وتحافظ على الموروث الثقافي والحضاري لكل المكونات!

نصيحتي للكلدان: أنصح الناشطين الكلدان أن يفكروا ملياً بتأسيس حزب سياسي واحد باسم الأتحاد الكلداني (حويادا كلدايا) يضم الأحزاب الموجودة على الساحة، ويستقطب الحزب الجديد الكوادر والكفاءات في الداخل والخارج بعيدا عن الأنتهازيين والمثرثرين.

وفي هذا السياق أتمنى أن يكون من أولويات هذا الحزب السعي مع الأحزاب الاشورية والسريانية والارمنية لتشكيل تحالف قوي يمثل المسيحيين في مجلس النواب والفعاليات السياسية ويطالب بتعديل الدستور الحالي وتضمينه موادا تقر بشكل صريح بوجودنا وضمان كامل حقوقنا القومية والدينية والسياسية والثقافية.

أتمنى ان يتبنى هذا المشروع الحيوي الأئتلاف الكلداني ويرعاه بعيداً عن تدخل الكنيسة.

ختاماً، لا اُخفي عليكم بأنني تمنيت في هذه الأنتخابات أن يدخل المسيحيون في قائمة موحدة لأن معا نحن اقوى، وسعيت لذلك، لكن لم يكن صدى كبيراً لهذه الفرصة بسبب الأجندات الداعمة لبعض الأحزاب والمصالح الخاصة!!