|
Articles
from our visitors
"هيئة الثقافة السريانية" ثورة مؤقتة أم ثروة دائمة؟
بقلم: هنري بدروس كيفا
|
الصيف الفائت وأثناء تحضيري لمحاضرة بعنوان
"هويتنا الآرامية عبر التاريخ" تعرّفت على أعضاء " هيئة
الثقافة السريانية" الذين أبدوا إهتماماً وحماساً كبيرين بموضوع المحاضرة وساعدوني
من ناحية التجهيز والمكان وإلخ ...
اليوم وخلال وجودي في لبنان , سنحت لي الفرصة أن أتعرف عليهم عن كثب . فلقد دعاني
الأخوة في الهيئة إلى المشاركة في إحدى الحصص التعليمية للغة السريانية . فلبيت
الدعوة بكل سرور ولكم كانت دهشتي كبيرة لدى مشاهدة عطش ولهفة الشباب اللبناني
المسيحي للتعرف إلى لغة أجدادة " السريانية " .
خلال الدرس أثر إنتباهي بعض المواضيع وأهمها :
أ-لقد إندهشت
كثيراً , إذ أن أعضاء هيئة الثقافة السريانية ليسوا " ضليعين أو معلمين محترفين "
باللغة السريانية لكنهم يحاولون بشتى الوسائل المتاحة لهم من كتب وقواميس وكمبيوتر
لتعليم اللغة السريانية مجاناً تعلموها مجاناً يعلموها , المدهش أن البعض منهم لا
يزال يتقدم في تعلّمها بهدف تعليم الآخرين .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا , هو : كم من الأخوة السريان الآراميين الذين يجيدون
اللغة السريانية , يعملون لتعليمها , ونشرها ؟
أتمنى على كل سرياني آرامي يجيد اللغة أن يعلمها بين الأوساط السريانية التي
أستعربت ونسيت جذورها الآرامية .
ب- كان الطلاب
من الجنسين , وعددهم إثنى وعشرين أي على عدد أحرف الأبجدية السريانية , وهم في رعين
الشباب بحيث تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشر والخامسة والعشرين
ج-قبل البدء
بالدرس , ضجة خفيفة وهمسات , وما أن يدخل المدرّس حتى يخيم الصمت على قاعة التعليم
. إحترام فائق لهفة للعلم عطش للمعرفة : الأفواه مقفلة , الآذان صاغية , العيون
مسمّرة بالمدرّس . يتعلمون الأحرف السريانية بلذة . طُلب منهم كتابة أسمائهم ولأول
مرة فشرع كل منهم يكتب إسمه بلغة أجداده وكم كانت فرحتهم كبيرة إذ استطاع كل منهم
القيام بما طلب منه
د-يُقال
إن شبابنا غير منضبط , لكن هؤلاء أظهروا عكس ذلك , إذ أبدوا إنضباطاً كبيراً ,
أبدوا إستعدادهم للتضحية بأوقاتهم لتعلّم لغتهم الأم وتراث أجدادهم " من له أذنان
سامعتان فليسمع " .
لا يسعني هنا سوى أن أقدم احترامي وتقديري لهؤلاء الشباب الذين يظهرون القدوة
لمتعطشي العودة إلى جذورنا .
هـ-وكم هو عتبنا كبير بحيث أصبح القداس السرياني بأكمله لا يحتوي سوى " الكلام
الجوهري " باللغة السرياينة . في وقت يزدادا عدد الكنائس التي تفضل تلاوة صلاة "
الأبانا " بلغة أبائها السريانية . يجب التوقف عن " تعريب " القداس والصلوات
والتراتيل السريانية . فكيف نحافظ على تراثنا ولغتنا وألحاننا السريانية إذا عرّبنا
القداس ؟
و-أمنيتنا أن
يتعلّم أطفالنا أيضاً لغة أجدادهم المقدسة ! ولما لا يتعلموها في المدارس ساعة
واحدة أسبوعية تكون كافية , البرنامج الدراسي يسمح بذلك , المشكلة ليس مشكلة وقت أو
إمكانية لكنها مشكلة الرغبة . علماً أن التلامذة في أوروبا يتعلمون اللغات القديمة
كاللاتينية واليونانية وغيرها فلما لا يتعلم أطفالنا لغة المسيح المقدسة . إليس من
المنطق أن يتعلّم أطفالنا لغة أجدادهم وهم صغار ؟
ز-أعضاء "
هيئة الثقافة السريانية " , يحاضرون دائماً عن تاريخ شعبنا وهويته ولغته السريانية
, ويتابعون كافة المحاضرات والنشاطات التي تتعلق بتاريخنا ومصيرنا .
إيمانهم بالتاريخ الأكاديمي يجعلهم يناقشون الموضوع بكل علمية فهم لا يكتفون
بالمعرفة فقط – بصراحة أن أغلبية المثقفين السريان يعتبرون أن المعرفة وحدها كافية
– أما هم فلا , بل يحاولون جاهداً العمل على إظهار الحقيقة كما هي .
-طلب مني الأخوة في " هيئة الثقافة السريانية " أن أحضر إجتماعم الدوري فلبّيت
الطلب مسروراً .
كنا جالسين نتحدث وإذ بهم يقفون فجأة , فهمت أن عليي الوقوف أنا أيضاً , وكم كانت
دهشتي كبيرة عندما بدأوا بتلاوة صلاة " الأبانا " باللغة السريانية . وعلمت لاحقاً
بأنهم لا يبدأوا إجتماعهم قبل تلاوة " الأبانا " وطبعاً بالسريانية .
كم تمنيت أن تكثر في مجتمعنا السرياني الجمعيات والهيئات التي ترعي بتعلم اللغة
والثقافة الآرامية كما تفعل " هيئة الثقافة السريانية " .طوال الاجتماع بقيت ساكناً
استمع إلى مناقشاتهم ومشاريعهم . كنت بين الحين والآخر أتأملهم, معظمهم غير متأهلين
وغير مرتبطين مما يسمح لهم بالعطاء دون حساب أو مقابل . فلا شك أن إرتباطاتهم
المستقبلية سوف تبعدهم عن ميادين العطاء . لقد حملوا مشعل اللغة والهوية السريانية
الآرامية عالياً . قهم أشبه بفريق رياضي له محبيه ومشجعيه . فالرياضي يحمل المشعل
لمسافة , ويسلّمها لآخر وهنا نحب أن نؤكد لإعضاء " هيئة الثقافة السريانية " أن
الكثيرين من الشباب السرياني الغيورين سيحملون بدورهم ذلك المشعل . فيا سريان
العالم تابعوا وشجعوا " هيئة الثقافة السريانية " وكل هيئة أو مجموعة تعمل لتعليم
أو لنشر تاريخنا العلمي .
أخيراً السؤال هو ما تأثير " هيئة الثقافة السريانية " في المجتمع المسيحي اللبناني
؟
لا شكّ أن المجتمعات المسيحية تكره عبارة " ثورة " فهي تنظر إلى الثورات بعين مشككة
, ألم تأكل الثورة الفرنسية أبنائها ؟
ألم تعمّ البلدان النامية ثورات تحت راية النهضة والتطوّر لكنها في المقابل حوّلتها
إلة مجتمعات أشد تخلفاً ! ؟
أما " هيئة الثقافة السريانية " هي ثورة من نوع آخر فهي ثورة فكرية ترفض التقاليد
البالية والتاريخ المزيف.
إنها ثورة فكرية فاعلة رافضة أن تذوب هويتنا وتعمل على إحيائها . بعض المجموعات
ترفض التزويب والتعريب ولكنها للأسف تكتفي بترداد عبارة " نحن لسنا عرباً " بينما "
هيئة الثقافة السريانية " تعمل لإحياء الهوية السريانية الآرامية وكما يردد الدكتور
اندره كحالة في كتاباته العديدة إذا سألت شاباً أرمنياً عن قوميته فهو لا يقول "
أنا لست عربياً " بل يقول بكل بساطة " أنا أرمني ".
لا بدّ من الانتظار لمعرفة مدى تأثير " هيئة الثقافة السريانية " في المجتمع
المسيحي اللبناني , فالزمان وحده كفيل بالسماح لنا بمعرفة ما إذا كانت هي ثورة
دائمة أم غيمة صيف عابرة . ولكن في كل الأحوال هي " ثروة " لمجتمعنا المسيحي لأنها
بعيدة عن السياسة والمآرب الشخصية .
ملاحظات أخيرة :
1- معظم أعضاء " هيئة الثقافة السريانية " ينتمون إلى الكنيسة السريانية المارونية
.
2- يشدد الأخوة على أنهم ليسوا الوحيدين على الساحة , فهم يذكرون جهود الأب جورج
كامل الذي يعلّم اللغة السريانية في كنيسة مار يوسف برج حمود , وكذلك وجود " جمعية
أصدقاء اللغة السريانية " ومركزها في منطقة الروضة , وهم على تعاون وتنسيق دائمين
مع جميع المهتمين باللغة السريانية .
3- يتمنى الأخوة العمل مع قناتي " تيلي لوميار " و " نور سات " من أجل نشر
المعلومات الصحيحة عن هويتنا وتراثنا ولغتنا السريانية .
4- حالياً , لديهم مشاريع عديدة , لا يمكنني الأفصاح عنها حالياً فرجاءً تابعوا
نشاطاتهم المستقبلية .
5- إلى ساميا , جانيت , طوني , اندريه , أمين , ادغار , جورج , رامي , جهاد , جوزف
والآخرين ...
أرجو منكم أن تسامحوني فأنتم مفخرة لنا , ونحن متأكدون إنكم لن تناموا على أمجادنا
الغابرة . فإن تضحياتكم اليوم هي خطوة أولى في رحلة الألف ميل , ونحن متأكدون أنها
ستخلق جيلاً جديداً من الشباب الذي سيحمل مشعل هويتنا السريانية عالياً مثل ما
تفعلون الآن .
ربما بعد عشرين أو ثلاثين عاماً تستطيعون أن تفتخروا بأنكم حملتم هذا المشعل وبأنكم
أول من شقّ الطريق , تابعوا ثورتكم الفكرية الشباب السرياني يراقبكم ويتمثل بكم .
شكر العالم كله لا يعبر عن شكرنا لكم .
رابطة الأكاديميين السريان الآراميين تقول لكم كلمة واحدة " شكراً " .
|