مقابلات

مقابلة مع الأستاذ فهمي متى سولاقا مدير ناحية عنكاوة

****************************
أجرى المقابلة: وسـام كاكو

أسعفني الحظ في زيارتي الأخيرة الى إقليم كردستان ان ألتقي بشخصية فاعلة وعملية جداً في مجتمع عنكاوة وقد وجدته غنياً بالمعلومات لدرجة ان مقابلته إستمرت لثلاث جلسات في ثلاثة ايام مختلفة. اِنه يعمل مديراً لناحية عنكاوة منذ عام 1995 وفي هذه الفترة شهدت عنكاوة تطورات هامة وتوسعات عمرانية وحركة تطوير اقتصادي كبير، لدرجة ان إيجارات بعض البيوت في عنكاوة وصلت الى ما يقارب الثلاثة الآف دولار وهذا بالطبع يعكس مدى تطور الوضع الأقتصادي للمجتمع العنكاوي الذي أصبح قبلة أنظار بقية المسيحيين في المناطق القريبة من عنكاوة وكذلك البعيدة عنها. فضلاً عن عمله كمدير لناحية عنكاوة فأن الأستاذ فهمي متى سولاقا يشغل منصب مدير مركز أدي شير للنشر وهو جهد آخر متميز لخدمة الحركة الثقافية في عنكاوة.
بادرته بالسؤال عن ناحيته فأجاب "تأسست عنكاوة كناحية تابعة لأربيل في عام 1956 بعد أنْ كانت قرية صغيرة" وأضاف "توجد حالياً 30 ناحية تابعة لمحافظة أربيل ولكن عنكاوة بإعتبارها قديمة جداً شهدت توسعاً كبيراً مؤخراً. صحيح انها اُعتُبرت ناحية منذ عام 1956 ولكن النظام السابق كان قد جعلها محلة تابعة لأربيل. في عام 1993 طلب الناس في عنكاوة إجراء إستفتاء شعبي بخصوصها فتم القرار بالإجماع على إعتبارها ناحية".
سألته "ما الفرق في ان تكون ناحية أو محلة؟" أجاب "الفرق هو في الخدمات، فالناحية تكون فيها دوائر خاصة بها مثل: بلدية، ماء، مجاري، كهرباء، دائرة الهاتف، طابو، المالية، مركز شباب، دائرة زراعة، بيطرة وغيرها من الدوائر التي لا تتوفر في المحلة". "وما هي واجبات مدير الناحية؟" أجاب "الاشراف على كافة الدوائر الاداريه الرسمية وشبه الرسمية كالجمعيات وذلك بموجب قانون المحافظات العراقية. يمثل مدير الناحية رئيس الدولة في المناسبات الرسمية والدينية وله حق التدخل المباشر في كافة الدوائر كالكهرباء والأمن (أساييش) وله حق التفتيش والمراقبة لكل الدوائر عدا المحاكم والجيش والجامعات في ناحيته".
سألته "ماهي ابرز صفة في عنكاوة؟" أجاب "في السابق كانت عنكاوة مدينة زراعية ثم اصبحت مدينة تعليمية ووظيفية، فمنذ العشرينات لدينا معلمين في عنكاوة. في الوقت الحاضر هي مدينة وظيفية تقريباً. إنخفض مستوى الزراعة بشكل ملحوظ وقد أثر الإسكان الحالي بشكل كبير على الزراعة وكذلك أثرّ المطار الدولي الحالي، ولكن المطار له فائدة كبيرة لأهالي عنكاوة، فضلاً عن ان توجه الناس أصبح لا يميل الى الزراعة. لقد أثر إنخفاض الزراعة حتى على الجو المحيط بعنكاوة. كان توزيع الأراضي مهماً جداً للناس لحل أزمة السكن لأن صدام منع توزيع أراضي سكنية لمدة 25 سنة اما الآن وبفضل الأستاذ سركيس آغا جان والحكومة الكردية تم خلال خمس سنوات توزيع أكثر من (3000) قطعة أرض سكنية على أهالي عنكاوة وقسم منها مُنحت لمسيحيين من شقلاوة وديانا وتوجد محاولة لجعل عنكاوة مركزاً لتجمع المسيحيين، وليس مسموحاً أنْ تُباع أية قطعة سكنية أو منزل في عنكاوة إلا بموافقة المجلس البلدي والناحية.


-  كيف تنظر الى العلاقة بين المسيحيين والاكراد؟
- منذ القدم توجد قرى مسلمة مجاورة لعنكاوة ولكن لم تحدث لحد الآن أية مشكلة بيننا ونحن نعيش بتأخي ومحبة، كما ان حكومة إقليم كردستان تدعم المسيحيين وتحترم خصوصيتهم واذا ما حصلت أية حالة استفزاز من هذا أو ذاك فهي لا تعني حالة عامة ويكون القانون هو الفيصل في هذه الحالة.
- كيف يتم توزيع الأراضي؟
- يتم توزيعها بالقرعة، ولا بد من الإشارة هنا الى ان التقدم الكبير الذي شهدته عنكاوة كان بسبب الجهود العظيمة التي بذلها الأستاذ سركيس آغا جان وحصوله على كافة الموافقات المطلوبة من السيد رئيس الوزراء نيجرفان البارزاني. هذا التقدم الذي شهدته عنكاوة وإقبال الناس على السكن فيها دفعنا الى التفكير بالإسكان العمودي.


-  ما الذي يمكن ان تقدمه عنكاوة لأبناء الخارج؟
- العنكاويون المقيمون في الخارج يستطيعون الحصول على قطع أرض سكنية ويمكن اعادتهم الى وظائفهم اذا ما كانوا قد حرموا منها، أما بناء هذه القطع فهذا موضوع آخر. المسيحيون الأخرون من غير أهل عنكاوة يمكنهم أيضاً الحصول على اراضي سكنية وهذا حصل مع أهالي شقلاوة وأرموطة وغيرها ولا توجد أية حساسية في هذا الموضوع بين اهالي عنكاوة وغيرها من المسيحيين الساكنين في هذه الناحية.


- كيف تنظرون الى عملية التطوير الذي تشهده عنكاوة وما هو برنامج عملكم ومنجزاتكم؟
- في عام 2004 تشكلت، بأمر من رئيس الوزراء، لجنة لتطوير عنكاوة تضم انا كمدير للناحية والسيد ميخائيل شابو مستشار (من أينشكي)، والسيد نزار بابكا مدير عام في ديوان الرقابة المالية في إقليم كردستان والمهندس فرنسيس مستشار في مجلس الوزراء والسيد فرهاد منصور رئيس بلدية عنكاوة وقد قامت هذه اللجنة بعقد مؤتمر مع اهالي عنكاوة (حضره مائة شخص من المتخصصين والوجهاء) لمعرفة حاجة الأهالي. اُعطيت الأولوية للمسائل الخدمية وقد أنجزنا لحَد الآن تبليط 617,217 م² بالإسفلت وما زال أمامنا 313 الف م² للتبليط، كما أنجزنا ما يقارب الـ 11,000 متر من المجاري وباقي 16,000 متر للتنفيذ، وقمنا بتغليف 43 الف متر من الأرصفة بالكربستون وباقي 52,000 متر كما تم تغليف 26,000 م² بالشتايكر وقمنا بمّد شبكة مياه شرب لـ 17,000 متر وتم تشجير حدائق كثيرة كانت مُهملة في السابق وتجري إدامتها بشكل دوري. وأقمنا نصباً في مدخل المدينة ايضاً. تم بناء بنك في عنكاوة وهذه هي الناحية الوحيدة في العراق التي يوجد فيها بنك. تمت إنارة الشوارع وتبديل شبكة إنارة عنكاوة وسيتم تشغيلها خلال ايام ونحن بصدد عملية تبديل كافة الشبكات الكهربائية الظاهرية للبيوت بأخرى مدفونة.
ثقافياً تم بناء جمعية الثقافية الكلدانية وتم تأسيس نادي الشباب الذي كلف ما يقارب المليون دولار ولقد تم إنجازه بفضل الأستاذ سركيس آغا جان والإنتساب اليه يكون بهويات.
الحرية متاحة للجميع في مجال العمل الحزبي وفي الصحافة والأعلام فالحركة الديمقراطية الأشورية لها مقر في عنكاوة وكذلك حزب بيت نهرين وحزب الإتحاد الديمقراطي الكلداني ولهم مطبوعاتهم.
من حيث الزراعة تم فتح جمعية مار أورا (وهو تل أثري في عنكاوة) وهي متخصصة بأمور الفلاحين مثل توفير المستلزمات الزراعية وتوفر الماء والسماد والارشاد الزراعي. من الناحية الدينية، تُشجع حكومة اقليم كردستان على بناء الأديرة والكنائس وقد تم بناء دير مار إيليا وتطوير وتوسيع دير مرت شموني كما تم توسيع وتطوير مزار مريم العذراء الواقع بالقرب من المطار. كما شجعت حكومة الإقليم إستثمار أموال القطاع الخاص في بناء العمارات السكينة والتجارة الحرة. بسبب كل هذه التطورات في عنكاوة وكردستان عموماً وبسبب استقرار الأمن اصبحت مقرات الأمم المتحدة والشركات الأجنبية وكذلك بعض مقرات التحالف تتوجه للإستقرار في عنكاوة وهذا يؤثر في جانبين أولهما انه خدم اهالي عنكاوة مادياً وثانيها إنه أّدى الى ارتفاع كبير في الأيجارات.
 من حيث الرياضة تم تأسيس نادي أكد وعنكاوة الرياضي الذي يمتلك فرقاً إستطاعت أنْ تحصل على بطولات على مستوى القطر وأنشأت ملاعب رياضية في عنكاوة. اللعبة المحببة لأهالي عنكاوة هي لعبة الطائرة، وقد إستطاع الفريق النسوي للطائرة الحصول على بطولة كردستان وجاء ثانياً نادي سنحاريب في دهوك. المنطقة الآن بحاجة الى ملعب لكرة القدم وتوجد حالياً محادثات مع رابي سركيس لإنشاء ملعب أولمبي، كذلك المنطقة بحاجة الى مسابح، يوجد إقبال كبير على السباحة هنا وقد تم مؤخراً افتتاح مسبحين أهليين.
نعمل الان على بناء ثلاث مدارس نموذجية في عنكاوة وهي روضة نموذجية ومدرسة بهرادارن أي المبدعين النموذجية ومدرسة في حي السلام وهذه ستُمّول من ميزانية حكومة الاقليم، كذلك تم بناء دار إطفاء على حساب ميزانية حكومة إقليم كردستان.
المطار الحالي كان في السابق مطاراً عسكرياً صغيراًنشأته الحكومة السابقة مقابل تعويضات بسيطة جداً لأهالي الأراضي أما الآن فقد أمر السيد مسعود البارزاني مشكوراً تشكيل لجنة لتعويض الأهالي المتضررة من جراء إقامة المطار على اراضيهم وهذا إنجاز كبير لنا.
أذكر للتاريخ ان اكثر من 90% من هذة المشاريع هي بدعم من رابي سركيس فهو الذي ينقل صوتنا الى حكومة إقليم كردستان وهذه الحقيقة أود أنْ يعرفها العالم أجمع وهذا ليس تملقاً أو مدحاً وإنما الحقيقة التي نعيشها فهذا الرجل سيدخل التاريخ من خلال خدمته للمسيحين علماً انه لا يُميز بين المسيحيين فهو يحبهم جميعاً كما ان رئاسة حكومة الإقليم تحب المسيحيين ايضاً.
من بين المُنجزات التي فاتني ذكرها هي إنشاء 500 دار في حي السلام وتوفير كل المستلزمات الخدمية لها كذلك إنشاء حي مارت شموني وفيه أكثر من 1,000 دار وشوارع وشبكات مياه.
ألا ترون ان هذا التوسع الكبير في عنكاوة سيجعلها تضيع في أربيل بعد ان تتوسع الى حد تندمج فيه معها؟  
لا يمكن ان تضيع عنكاوة في أربيل لأن خطوطها مُحددّة فهي منفصلة من ناحية قرية كوران بوادي، كما انها لا يمكن ان تصل الى صفحة أربيل. من الناحية الإدارية، نعمل الان على بناء مُجمّع يحوي كافة المباني الحكومية في عنكاوة وهذا سيأخذ مدة سنة تقريباً وعند إكماله سيتم إجراء كافة المعاملات الإدارية في عنكاوة دون الحاجة للذهاب الى أربيل.
الأستاذ فهمي متي سولاقا خريج كلية القانون والسياسة جامعة بغداد في عام 1975، وله شهادة دبلوم في تطوير الإدارة الستراتيجية من معهد التطوير الإداري في كردستان، وقد رفض الكثير من المناصب في سبيل خدمة أهالي عنكاوة وهو فضلاً عن كونه مديراً للناحية يشغل منصب مدير دار أدي شير للنشر والإعلام. سألته عن هذا الدار وعن تأسيسه ونشاطاته فأجاب:
- تأسّس دار أدي شير للنشر والإعلام في عام 2002 وهو مجاز من قبل مجلس الوزراء- وزارة الثقافة، وقد تبلورت فكرته عندما وجدنا ان الكثير من الكتاب والمثقفين لهم كتابات ولكنهم عاجزون عن النشر والطبع، فطرحنا الفكرة على رابي سركيس فإقترح أن تؤسس دار للطبع مجاناً. أطلقنا على الدار إسم أدي شير المطران الشهيد صاحب الفكر والمؤلفات، وقد طبعنا لحد الآن أكثر من 15 مؤلفاً ونعمل على إنجاز مؤلفات أخرى وبهذه المناسبة نود أن ندعو مفكرينا وكتابنا الى تزويدنا بنتاجاتهم ونحن سنطبعها لهم مجاناً.


- وما هي سياستكم في النشر؟
- أنْ لا يحمل المطبوع طعناً أو تحيزاً مَرَضِياً لأي طرف أو لأية فكرة أو جهة، ويُفضل ترويج الفكر الثقافي المسيحي وتشجيع الكُتاب على النشر.
بإعتباركم مديراً للناحية منذ فترة طويلة نسبياً، كيف تنظرون الى علاقة الكنيسة ورجال الدين مع الحكومة الكردية وهل ان طبيعة هذه العلاقة تلعب دوراً في خدمة المسيحيين؟
- الحكومة الكردية تحترم رأي رجال الدين لدينا كثيراً وكنت أتمنى أن أرى توحيداً في الرأي بين ممثلي كنائسنا فمثل هذا التوحيد سنستفيد منه كثيراً، خاصة في العمل مع الحكومة الكردية. أحياناً تشهد علاقة رجال الدين مع الحكومة فتوراً غير مقصود بسبب ضعف المشاركة مع الهموم العامة للشعب وهذا مفهوم ولا أعتقد إنه سيؤثر سلباً على العلاقة بشكل عام.
الحقيقة ان موضوع التوحيد في الرأي ليس مهماً في الجانب الكنسي فقط وإنما في الجانب الشعبي أيضاً فالهفوات التي إرتكبتها بعض الحركات كادت تضر كثيراً في علاقاتنا، فمثلاً بعد الإنتفاضة المباركة في عام 1991 جاء أعضاء من الحركة الديمقراطية الأشورية (زوعا) وكذلك بعض الأحزاب الأشورية الأخرى وفتحوا مقرات لهم، كانت زوعا هي التي جاءت أولاً ثم جاء بعدها فرنسو حريري وفتح مقرات لحزب بيت نهرين وقد ساهم أهالي عنكاوة في دعمهم بالمواد ووقفوا الى جانبهم ولكن وللأسف، عكست سياسة بعض الأحزاب الأشورية وضعاً سلبياً من خلال نكرانها للوجود القومي الكلداني في كتاباتها لدرجة ان أحد المسؤولين طلب شطب كلمة كلدان من كافة الكتب وإستبدالها بكلمة أشور وهذا إستفز الكلدانيين لذا طالبنا بفتح جمعيات ثقافية كلدانية ومن ثم أحزاب ويمكنني القول ان هذا ما كان ليحصل لولا خطأ الحركات الأشورية. انا شخصياً أتمنى من الأعماق أن نُصبح واحداً وأن يكون قرارنا واحداً ففي ذلك قوة عظيمة لنا ولكن يبدو إن هذا الأمر صعباً الآن. أنا مع اية تسمية متوازنة تحفظ وحدتنا ووحدة خطابنا.

في اليوم الذي سبق عودتي الى أميركا أخذني الأخ فهمي الى مصيف صلاح الدين وفي الطريق أردت أن استفزه بسؤال غير إعتيادي فقُلت له (لقد لاحظت اثناء مقابلتي لك بأنك ذكرت رابي سركيس عدة مرات فكيف تنظر الى شخصية رابي سركيس وأنت في موقع المسؤولية؟) أجابني بكلمات أحسست بأنها نابعة من قلبه (سأقول لك شيئاً واحداً ... لو جاء رابي سركيس الى بيتي طالباً أرواح أولادي كُن على يقين بأني سأعطيها له بكل محبة وفرح) سكت بعدها، وسكتتُ أنا قليلاً أيضاً لأني لم أتوقع جواباً كهذا، ولكني أردت أن استغل هذا الجواب المؤثر الى أقصى مداه فقلتُ له (ولماذا كل هذا الحب لهذا الرجل؟) فقال (لأنه يُحب مسيحيينا من أعماقه ويخدمهم دون مقابل ودون تفريق وقد خدمنا نحن أهل عنكاوة لدرجة إنه حوّل عنكاوة من قرية صغيرة مغلوبة على أمرها الى ناحية واسعة وغنية ويتمنى الكثيرون العيش فيها).
الحقيقة الواضحة للعيان تثبت ما ذهب اليه الأستاذ فهمي من إن عنكاوة هي ناحية واسعة وغنية يتمنى الكثيرون العيش فيها. نتمنى أن تصل كل نواحينا وبالذات المسيحية منها الى هذا المستوى.
أخر ما سمعته من الأستاذ فهمي كان ما يلي: بسبب خصوصية ناحية عنكاوة لدى حكومة إقليم كردستان فإننا ندرس فكرة تحويل أسماء الشوارع في عنكاوة من أسمائها الحالية الى أسماء قديسينا).
إن تم ذلك فإن عنكاوة ستكون الرائدة في هذا المجال وهذا سيضيف ميزة أخرى الى ميزاتها الريادية السابقة.

 كـلـــدايا.نت

 

kaldu

Home
Articles
Meetings
Contact Us